من زيادة البنزين الى دعم السائقين اين النقل العام للجميع؟

مع كل استحقاق لتمويل سلسلة الرتب والرواتب، تتحول الحكومات المتعاقبة إلى زيادة سعر المحروقات بشكل عام لتمويل جزء من السلسلة، أو فرض ضريبة سريعة لتمويل الخزينة بشكل عام، دون الاهتمام بموضوع دعم النقل العام. وتتحول النقاشات إلى زيادة بدل النقل كجزء من الإضافات على الراتب. وبعد الأزمة الاقتصادية أصبحنا نتكلم بشكل صريح عن تقديمات بدل النقل على أساس حسابات "كم تنكة بنزين" للموظف العام، وكأن خدمة النقل لا يمكن تقديمها إلا من خلال السيارة الخاصة للموظف.

وهذا بعكس ما تفعله أغلبية دول العالم من خلال خلق حوافز وتشجيع السكان على استعمال النقل المشترك بدل سياراتهم الخاصة، كتقديم بطاقات بأسعار محفزة أو حتى خصومات من الضرائب للموظف أو الشركة.

بعدما حاولت الحكومة إضافة 300 ألف ليرة على سعر البنزين لزيادة سلسلة الرتب والرواتب لموظفي الدولة، كالعادة أرادت أن تحافظ على تعرفة النقل ثابتة، والحل بالنسبة لها كان عبر دعم سائقي التاكسي والسرفيس في لبنان. فاجتمعت نقابات اتحاد النقل برئاسة طليس، والاتحاد العمالي العام برئاسة بشارة الأسمر، ووزير المالية ياسين جابر، وتداولوا بآلية منح 12 مليون ليرة للسائقين العموميين العاملين على البنزين لتغطية كلفة سعر البنزين. وقد جُرِّبت سابقاً آلية دعم السائقين، وتبين فشلها من حيث تثبيت السعر أو وصولها لمستحقيها من السائقين العاملين في خدمات النقل اليومية.

السؤال الأساسي: هل دعم السائقين أفضل أم دعم الركاب في قطاع نقل الركاب؟ الجواب الأكيد، والذي يُعتمد في معظم دول العالم، هو دعم الركاب من خلال بطاقات نقل خاصة أو مدعومة لفئات معينة، وذلك لتحقيق عدالة أكبر وعدم تبديد المال العام على خدمات لا تصل إلى الركاب. ولكن لنكن واقعيين: لا يمكن فعل ذلك في الوقت الحالي إلا عبر إنشاء منظومة دفع للنقل العام الموجود من باصات وفانات وتاكسي ونقل حكومي مشترك للجميع، يستطيع الركاب أن يدفعوا عبرها لمقدمي الخدمات. وهذا ممكن إذا كان هناك قرار من وزارة الأشغال والنقل لتركيب هكذا منظومة، مما يساعد في تنظيم قطاع النقل بشكل خاص. فهل من مسؤول يتجرأ على فعل ذلك؟ وقد حصل هذا حديثاً في الأردن حيث دُمج قطاع النقل العمومي مع النقل الحكومي، ووُحِّدت طريقة الدفع ونُظِّم القطاع.

بعد رفع سعر البنزين، انخفض الاستهلاك اليومي بنسبة 30% حسب ما صرّح نقيب المحطات، وهذا يؤكد أن وضع ضريبة على البنزين أمر جيد لتخفيف الاستهلاك وتلوث الهواء وزحمة السير. ولكن في المقابل لم يتم تأمين وسائط نقل بديلة عن السيارة الخاصة لتخفيف كلفة التنقل على من لا يريد استعمالها. فلم يُقدَّم خيار آخر للناس غير دفع الـ300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، في حين أن خدمات النقل المشترك الحكومية أو الخاصة ما زالت دون مستوى الخدمات، سواء من ناحية التغطية أو التوقيت أو الفاعلية. وخاصة أن 80% من الرحلات في لبنان، حسب البنك الدولي، تحصل عبر السيارات الخاصة والآن عبر الدراجات النارية.

إن قانون السير يفرض على سائقي التاكسي والسرفيس وضع عدادات في السيارات، وتحدد تعرفة العداد من خلال وزارة النقل. ولكن حتى الآن لم نرَ أي وزير نقل أو داخلية قد فعّل هذه الآلية. ولو أنها مفعلة لكان أسهل إعطاء الدعم ووصوله إلى مستحقيه. والسؤال: لماذا حتى الآن لم تُفعَّل العدادات في سيارات الأجرة، وخاصة أن هذه المادة موجودة منذ سبعينيات القرن الماضي؟

إن النقل المشترك أو العام هو جزء من حق تنقل الناس، وهو خدمة عامة واجتماعية واقتصادية. وعدم دعمه والاستثمار فيه يدفع المجتمع إلى الاعتماد على الوسائل الفردية للتنقل كالسيارة الخاصة أو الدراجات النارية، وهذا ما يحصل في بلادنا.

فأعداد السيارات الخاصة تجاوزت المليوني سيارة، أما الدراجات النارية المسجلة فهي حوالي 300 ألف، وغير المسجلة وحسب أرقام الجمارك حوالي 300 ألف أخرى. والواقع الذي نعيشه هو نتيجة عدم الاستثمار في خدمات النقل العامة، فالخسائر الاقتصادية التي نتكبدها من زحمة السير والحوادث والضحايا على الطرقات وتلوث الهواء تتراوح بين مليار وملياري دولار حسب أرقام البنك الدولي سنة 2021.

إن عدد السيارات التي تدخل بيروت حوالي 500 ألف سيارة من جميع مداخلها، دون أن ننسى أعداد السيارات الموجودة داخل بيروت. في حين أن عدد ركاب النقل المشترك الحكومي لا يتعدى 7 آلاف راكب يومياً، ودون أن ننسى ركاب النقل المشترك الخاص الذين يتنقلون عبر التاكسي والباص والفان، والتي لا أعداد مقدرة لهم وتشكل حوالي 20% من الرحلات. ولكن لماذا لا تقوم وزارة الأشغال والنقل بتنظيم هذه الفئة من وسائل النقل عبر مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، وتستفيد منهم في خدمات النقل لحين إيجاد أموال للاستثمار في القطاع؟ لماذا لا تُنظَّم خدماتهم وخطوطهم وترابطهم لتحسين الخدمات وجذب مستخدمي السيارات إلى قطاع النقل المشترك العام والخاص؟ أليس ذلك أفضل من انتظار هبات باصات في مهب الريح ودعم ضائع لا يستفيد منه لا الراكب ولا السائق؟

مرصد النقل